مؤسسة آل البيت ( ع )

60

مجلة تراثنا

من لم يتصف بالعدل والقصد ، فما أمر رينان الفرنسي في القرن الماضي ببعيد ، فقد ذهب إلى أن العرب أو قل : إن العقلية السامية لا ترقى إلى غيرها من العقليات كالإغريقية والرومانية ، ومن أجل هذا كان هؤلاء عيالا على غيرهم من الشعوب في حضارتهم ، وقد أسرف هذا الفرنسي المسيحي المتعصب لأكثر من غرض واحد ، ولسنا بصدد بيان هذا ، وقد ذهب غيره هذا المذهب دون أن يلتزم بعنفه وشدته ، ولا أريد أن أدفع عن ثقافتنا تأثير الإغريق فما إلى ذلك قصدت وأنا إن فعلت ذلك فقد جرت على الحقيقة كما جار النفر الآخر " ( 68 ) . إن لهذه الحملة المسعورة على السامية - أسبابها وأهدافها وأساليبها - لسنا في مجال البحث عنها فللحديث عنها مجال آخر ، ومن هنا ذهب هؤلاء إلى تأثر النحو العربي بالنحو اليوناني إما بصورة مباشرة أو بوساطة النحو السرياني ، ولم يقولوا بتأثره بالنحو السرياني فحسب ، لأن السريان ساميون أيضا ، بينما اليونان غير ساميين ، وهم لا يريدون الاعتراف بالساميين . ولكن نقول : بأن النحو العربي لم يتأثر بالنحو اليوناني بصورة مباشرة لما ذكرناه ، وكذلك لم يتأثر بالنحو السرياني كما سنبحثه ، فينهار أساس التأثر بالنحو اليوناني . وقد ذهب بعض المعاصرين إلى أن النحو العربي قد اكتسبه العرب من النحو السرياني المشابه في كثير من أصوله وأحكامه للنحو العربي ، على اعتبار اشتراكهما في السامية ، ولأن الاتصال بين العرب والسريان قد تم قبل الاتصال بين العرب واليونان ، فلا بد أن يتعرف العرب على ثقافة السريان ومنها النحو ، وذلك لأن النحو السرياني قد وضع قبل وضع النحو العربي كما يقول جرجي زيدان : " إن السريان دونوا نحوهم وألفوا فيه الكتب في أواسط القرن الخامس الميلادي ، وأول من باشر ذلك منهم الأسقف يعقوب الرهاوي الملقب بمفسر

--> ( 68 ) دراسات في اللغة : 202 .